السيد جعفر مرتضى العاملي

124

صفوة الصحيح من سيرة النبي الأعظم ( ص )

الوهميّة في أكثرها ، ويجعلهم يعيشون في الأجواء والمناخات الإسلامية ، ويتعرّفون على خصائص الإسلام وأهدافه ؛ ولتحصل لهم من ثَمّ القناعات الوجدانيّة والفكريّة بأحقّية الإسلام وسمُّوِ أهدافه . وأمّا أموال خديجة ، فلم تكن تُعطي كرشوة على الإسلام ، ولا كانت تنفق على المؤلّفة قلوبهم ؛ وإنّما كانت تسدّ رمق ذلك المسلم ، الّذي يعاني أعظم المشاقّ والآلام ، في سبيل إسلامه وعقيدته ؛ هذا المسلم ، الّذي لم تتورّع قريش عن محاربته بكلّ ما تملكه من أسلحة لا انسانيّة ولا اخلاقيّة ، حتّى بالفقر والجوع . فكانت تلك الأموال تسدّ رمق مَن يتعرّض للأخطار الكبيرة ، وتخدم الإسلام عن هذا الطّريق ؛ وهذا معنى قولهم : « إنّ الإسلام قام بأموال خديجة » . فإنّ أموالها ، الّتي أنفقت في المقاطعة ، كانت في غالبها ، من النّوع الّذي يمكن الانتفاع به في سدّ رمق الجائع ، وكسوة العاري ؛ وأمّا ما سواه ، فلربّما لم يتعرّض لذلك ، بسبب عدم القدرة على البيع والشّراء في غالب الأحيان . نقض الصّحيفة وبعد ثلاث سنوات تقريباً من الحصر في الشّعب ، أخبر النّبيّ ( ص ) عمّه أبا طالب بأنّ الأَرَضَةَ « 1 » قد أكلت كلّ ما في صحيفتهم من ظلم وقطيعة رحم ولم يبق فيها إلّا ما كان اسماً لله . فخرج أبو طالب من شعبه ومعه بنو هاشم إلى قريش . فقال المشركون : الجوع أخرجهم . وقالوا له : يا أبا طالب ، قد آن لك أن تصالح قومك . قال : قد جئتكم بخير ؛ ابعثوا إلى صحيفتكم ، لعلّه أن يكون بيننا وبينكم صلح فيها . فبعثوا ، فأتوا بها ، فلمّا وضعت وعليها أختامهم ، قال لهم أبو طالب : هل تنكرون منها شيئاً ؟ قالوا : لا . قال :

--> ( 1 ) 1 . الأرَضَة : دُوَيّبة تأكل الخشب .